إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
315
الإعتصام
ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء فالفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني وأما الثالث فلا حجة فيه لأن قوله عليه السلام كل بدعة ضلالة وما تقدم من كلام السلف يدل على عموم الذم فيها وظهر أنها مع المعاصي لا تنقسم ذلك الانقسام بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصي واعتبر بما تقدم ذكره في الباب الثاني يتبين لك عدم الفرق فيها وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إي الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل والصغر والكبر من باب النسب والإضافات فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين لكن في انقسام المعاصي إلى الكبائر والصغائر فقال المرضى عندنا أن كل ذنب كبيرة وعظيم بالإضافة إلى مخالفة الله ولذلك يقال معصية الله أكبر من معصية العباد - قولا مطلقا إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها ثم ذكر معنى ما تقدم ولم يوافقه غيره على ما قال وإن كان له وجه في النظر وقعت الإشارة إليه في كتاب الموافقات ولكن الظاهر يأبى ذلك - حسبما ذكره غيره من العلماء - والظواهر في البدع لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها - حسبما تقدم - فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفى الكراهية التنزيه عنها من الواضحات فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه ولا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدارك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية متنصل منها مقر لله بمخالفته لحكمها .